السيد عباس علي الموسوي
93
شرح نهج البلاغة
كانت النفوس متقاربة اقتربت الأشخاص وإلا افترقت . . . ثم بيّن عناصر تكوينهم المؤدي إلى اختلافهم وتباعدهم أو اتفاقهم وتقاربهم وذلك بأنهم تكوّنوا من أجزاء مختلفة . . . فجزء من الأرض المالحة التي لا تصلح للزراعة والنمو ولا تعطي الخير ، وجزء آخر عذب طيب صالح للنمو والعطاء وجزء من تراب سهل لين طري وآخر صعب قاس وعلى هذا التركيب يتم الوفاق والخلاف فمن قربت أرضهم من بعضهم وتكونت جبلتهم من نفس الطينة تقاربوا وتعارفوا وتشابهوا وإذا تباينت الطينة وعناصر التركيب كان الاختلاف والتباعد والتباين . . . ( فتام الرواء ناقص العقل ) هذه مصاديق يضربها الإمام لاختلاف الأخلاق مع الخلقة أو لاختلاف بعضها مع بعض وهذه صادقة في الأعم الأغلب وليست قاعدة عامة لا تخترق . . . فهذا الذي يرويك بجماله . . . إنه صورة تعشقها العين يجذبك إليه قهرا عنك . . . هذا هو بنفسه لو أردت اختبار عقله وجدته ناقص العقل فلم يتم الانسجام والوفاق بين جمال فائق وعقل ناقص إنه تدبير اللّه وحكمته ومن أراد استجلاء ذلك فليقصد المصحات العقلية ليجد الجمال عند بعض المجانين الذين فقدوا عقولهم . . . ( وماد القامة قصير الهمة ) وهذا تراه طويل القامة مديدها لو خليت ونفسك لقرأته في همة الأسود وعزيمة أبطال التاريخ لينسجم الظاهر مع الباطن ويحكي الشكل عن المضمون ولكنك تفاجأ بأن همته لا تتعلق إلا بأتفه الأمور وأحقرها وأقلها شأنا . . . فلا تنسجم القامة المديدة مع الهمة القصيرة . . . ( وزاكي العمل قبيح المنظر ) قد يكون قبيح الشكل والصورة مشوه المنظر ولكن مع ذلك من أطيب الناس عملا وأحسنهم فعلا وقد رأينا ذلك كنا نسمع بأعمالهم فنظن أنهم في غاية الجمال والكمال الجسماني فإذا بنا نفاجأ بأنهم قصار دمام تزدريهم العيون التي لم تختبرهم وتقف على أفعالهم فسبحان الذي يحرم الإنسان من جهة ليعوضه عنها من جهة أخرى يبرز بها ويمتاز . . . ( وقريب القعر بعيد السبر ) وهذا قصير ولكنه يمتلك ذكاء وفطنة يغوص في الأمور ليصل إلى حقائقها ودقائقها . ( ومعروف الضريبة منكر الجليبة ) فهذا صاحب سجية كريمة وأخلاق رضية جبلت نفسه على حب الخير والطاعة ولكنه يأتي بأعمال منكرة غير سليمة ولا مرضية خلاف طبيعته وما جبلت عليه نفسه . . .